هذا المسخ لمفهوم الأكثرية!
بقلم : د . ادم عربي
تاريخ النشر: 03/04/25 | 10:00
كان صدر الدين القبانجي، على ما أذكر، شخصية دينية مرموقة في العراق، ينتمي إلى التيار الشيعي، وكان له تأثير كبير في “المجلس الإسلامي العراقي الأعلى” الذي يقوده عبد العزيز الحكيم. وقد تولى القبانجي إمامة صلاة الجمعة في مدينة النجف، وهي من الأماكن الدينية الرفيعة والمهمة لدى الشيعة ، لكن تأثيره لمْ يقتصر على الجانب الديني فقط، بلْ كان له دوراً بارزاً في السياسة أيضاً. فقد جمع بين القيادة الدينية والسياسية، وكان يرى أنَّ الدين والسياسة يجب أنْ يُشكلا وحدة متكاملة دون فصل بينهما.
كان القبانجي يعتبر أنَّ نظام الحكم الديمقراطي لا يتعارض مع حكم الأكثرية الشيعية، وكان هذا الموقف يعكس التوجه السياسي والديني السائد آنذاك .
رفض أنْ ينطق باسمها ،أي الديموقراطية ، إذْ اعتبر الديمقراطية بمثابة “رجس من عمل الشيطان وصناعة غربية “. بدلاً من ذلك، اختار أنْ يتناول الموضوع بشكل غير مباشر، مُعيداً تسميته بما يتناسب مع رؤيته، فسمَّاها “النظام الدستوري في العراق الجديد” في تلك الفترة.
استند القبانجي إلى “منطق أرسطو” في تفسيره لفكرة الديمقراطية، مؤكداً وكأنه أحد رموز الفكر الديمقراطي العالمي، فحسب رؤيته، الديمقراطية (أو النظام الدستوري) تعني حكم الأكثرية، وكون الشيعة في العراق يشكلون الأكثرية، فقد استنتج أنَّ الحكم يجب أنْ يكون من نصيبهم وحدهم.
لا تقل له إنَّ الديمقراطية، في مفهومها الليبرالي، التي تلمع كما يلمع الذهب أوالفضة لكنَّها في الحقيقة ليست ذهباً ولا فضة، هي “حكم الشعب”. فالرأي الذي يطرحه القبَّانجي، والذي يشبه “الصفة” أكثر من كونه اسماً، لا يفرق بين “الأكثرية الشعبية” و”الأكثرية الشيعية”.
لو تحوّلت التركيبة الديمغرافية في العراق، لَتَغيّرت تعريفات الديمقراطية وفقاً لهوى الخطاب السياسي القبَّانجي السائد. فلو كانت الأكثرية من ذوي البشرة السوداء، لَصاغ القبَّانجي مفهوماً جديداً للديمقراطية يختزلها في “حكم الأكثرية الزنجية”. ولو هيمن الفلاحون على المشهد السكاني، لَبرز تعريف آخر يربط الديمقراطية بـ”سيطرة الفلاحين”. والأمر نفسه ينطبق لو كانت الأكثرية من النساء، أو الشباب، أو أي فئة أخرى ،فكلّ تغيير ديمغرافي قد يُنتج خطاباً سياسياً قابلاً للتأويل وفق مصالح النخب.
يُدرك صاحب هذا الخطاب ، كما أعتقد ، أن مفهوم “الأكثرية” في أي مجتمع يجب أنْ يكون شاملاً، يعكس التنوع الديمغرافي بكل ألوانه وأنواعه. لكنه، بدلاً من ذلك، يختزل هذا المفهوم الواسع ليُصبح حكراً على فئة واحدة فقط، هي “الأكثرية الشيعية”، التي يراها ، عبر منظور ضيق ، الوحيدةَ الجديرة بحكم العراق. فكيف له أنْ يرى هذا التنوع الهائل في المجتمع إلّا من خلال “عينه الثالثة”، تلك التي لا تُبصر إلّا ما يخدم رؤيته الأحادية؟
ويُبرر هذا الاختيار الاستثنائي بادعاء امتلاك هذه الأكثرية لـ”فضيلتين” مقدستين في نظره: الأولى هي “الأكثرية العددية”، والثانية هي ما يصفه بـ”الانتصار لآل البيت”.
يُمثِّل القبانجي نموذجاً صارخاً لـ”الدين المُوظَّف” سياسياً، حيث تُختزل المقدسات لتصبح أدوات في خدمة الأجندات الزمنية. وتكشف تصريحاته عن رؤية تستبدل مبدأ التعددية بنموذج هيمنة فئوي، خاصة بعدما بلغه أنَّ رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي ، بوصفه ممثلاً للسلطة السياسية ، قد أعرب عن استيائه من نظام المحاصصة الطائفية وما ينتجه من اختلالات إدارية وفساد مُزمن.
لكن المفارقة تكمن في أنَّ الحل الذي يطرحه القبانجي ليس تصحيحاً للمسار الديمقراطي، بلْ استبدالاً لنظام المحاصصة بنموذج أكثر إقصاءًوهو “حكم الأكثرية القبانجية”.
تحت شعارات “الأكثرية” البرّاقة تختبئ مفارقة خطيرة ، فما يُطرح على أنه تمثيل للأغلبية غالباً ما يكون مجرد قناع ترتديه أقلية نافذة لتحكم من خلاله. وهذا بالضبط ما تكشفه دعوة نوري المالكي المدعومة بـ”الشرعية القبانجية” والتي تظهر ظاهرياً كحركة ديمقراطية، بينما جوهرها عملية نقل لمقاليد السلطة من أيدي مجموعة النخب الحاكمة إلى الحساب الشخصي لرجل واحد.
في خضم الصراعات السياسية والمصالح الضيقة، غالباً ما نفقد القدرة على إدراك الحقيقة الجوهرية للنظام الديمقراطي. فالديمقراطية بلا شك هي “حكم الأكثرية”، ولكنَّها ليست مجرد حكم أي أكثرية عابرة. الأكثرية المؤهلة للحكم في النظام الديمقراطي هي تلك التي تتشكل وفقاً لمبادئه وقيمه الأساسية، لا تلك التي تفرض نفسها بقوة الأعداد .
هنا تكمن المفارقة العميقة ، فبينما كلّ نظام ديمقراطي هو حكم للأكثرية، لكن ، ليس كلّ حكم أكثرية نظاماً ديمقراطياً. هذه العلاقة أشبه بمنطق القضية المنطقية التي تقول: إذا كانت كلّ الكلاب حيوانات، فليس صحيحاً أنْ تكون كلّ الحيوانات كلاباً. فالكم وحده لا يصنع الديمقراطية.
في معرض حديثنا عن النظام الديمقراطي، نجد أنفسنا أمام إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم “الأكثرية” التي يفترض أنْ تكون أساس الحكم الديمقراطي. فالأكثرية المنشودة في النظام الديمقراطي الحقيقي ليست مجرد ناتج جمع كمي للطوائف والقبائل والعشائر، بلْ هي “الأكثرية الشعبية” الحقيقية التي لمْ نتمكن بعد من إنتاجها في واقعنا السياسي.
والسبب في هذا العجز يعود إلى حقيقة أنَّنا لم نتملك بعد الآلية الأساسية لإنتاج هذه الأكثرية الحقيقية، وهي الديمقراطية نفسها بكل مقوماتها وأركانها. فالديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية شكلية، بلْ هي نظام متكامل ينتج إرادة شعبية حقيقية تتجاوز الانتماءات الفرعية.
تتميز الأكثرية في النظام الديمقراطي بكونها شاملة ومفتوحة، حيث تتجاوز الحدود التقليدية للجماعات القومية أو الطائفية. فهي تضمُّ الشيعة، ولكنها ليست شيعية، تضمُّ السنَّة، ولكنها ليست سنِّية، تضمُّ المسيحيين، ولكنها ليست مسيحية، وتضمُّ أبناء القبائل، ولكنها ليست قبلية. هذه الأكثرية تشبه الماء، الذي يتكون من الأوكسجين والهيدروجين، لكنه ليس الأوكسجين ولا الهيدروجين .
إنَّ تصوير النظام الديمقراطي على أنَّه حكم طائفة معينة، سواء كانت الشيعة باعتبارهم الأكثرية العددية أو السنَّة، هو تدليس صارخ. فـ “الأكثرية” التي يُشكل عليها نظام الحكم الديمقراطي لا تتعلق بالعدد وحده، بلْ هي أقرب إلى مفاهيم الكيمياء منها إلى الأرقام والحسابات الرياضية. إنَّ النظام الديمقراطي في بلادنا لنْ يُثبت وجوده أو يستمر إلّا إذا أوجد الأكثرية التي تتناسب معه في جوهرها وأخلاقها. وهذا التحدي، لو تأملنا فيه، هو من أعظم الأعمال التي يمكن تحقيقها أوْ إنّه لأمرٍ عظيم وهذا هو التحدي الأكبر الذي يجب أنْ نسعى لتحقيقه.